منتديات نهر الحياة / Forum rever of life

الربانية في مذكرات الإمام البنا (رحمه الله) بقلم: أبو رقية أحمد سليمان الدبشة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الربانية في مذكرات الإمام البنا (رحمه الله) بقلم: أبو رقية أحمد سليمان الدبشة

مُساهمة  أبورقية في الثلاثاء مارس 13, 2012 12:01 pm





الإمام الشهيد حسن البنا
أبورقية أحمد سليمان الدبشة
من المسلَّمات أن الأساس الذي يقوم عليه منهج الدعوة الإسلامية الإخلاص ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: من الآية 5) ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ (الأنعام)، وهو ما يعبر عنه بقوة الصلة بالله، وهذا هو المفهوم الذي نقصده عند إطلاق مصطلح الربانية، فالإنسان الوثيق الصلة بالله في علمه وعمله وتعليمه هو إنسان رباني، وهذه وصية الحق جل وعلا لهذه الأمة ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79)﴾ (آل عمران)، وعند التصدي لمصطلح الربانية نجد أمامنا مسارين الأول ربانية الغاية والوجهة، والثاني ربانية المصدر والمنهج (الخصائص العامة للإسلام د. يوسف القرضاوي ص7 بتصرف).



ونريد هنا أن نسلك سبيلاً آخر في معالجة هذه القضية، وهو السبيل العملي التطبيقي للربانية في سلوك وحياة الدعاة، فالإسلام ليس مجرد ثقافة تُقدَّم للناس؛ لكنه عقيدة تدخل القلب فتترجم إلى واقع ملموس يراه الناس متمثلاً في الحياة، ومن هنا كان وصف أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها وأرضاها- لخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن خلقه القرآن والصحابة الكرام كانوا خير تطبيق لهذه القضية، فكان المؤرخون وكتاب السير عندما يتحدثون عنهم يقولون كانوا قرآنًا يمشي على الأرض، فالإسلام لا يملك أن يؤدي دوره إلا أن يتمثل واقعًا ملموسًا في مجتمعٍ في أمة، فالأمر ليس ثقافة أو عقيدة مجردة لا ترى البشرية مصداقها الواقعي في حياة مشهودة، وهذا هو جوهر المعجزة التي صنعها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- التي تمثلت في جيل فريد من الصحابة رضوان الله عليهم (معالم في الطريق الأستاذ الشهيد سيد قطب صـ8، 14 بتصرف)، ومن هنا كانت هذه الكلمات محاولة لتلمس سبيل الربانية الواقعية الملموسة في حياة الإمام الشهيد حسن البنا من خلال ما سطَّره في مذكرات "الدعوة والداعية"، نتوقف فيها أمام ملامح وسمات الربانية في حياته وسلوكه وأحواله وكلماته ومواقفه رضوان الله عليه.



(1) وعندما نفتح المذكرات نجد الربانية السلوكية في أوائل ما خطَّه الإمام الشهيد رحمه الله، وهو يصور الحافز والدافع لتدوين هذه المذكرات، فيقول: "ومهما يكن من شيء فأنا راغب في الكتابة، وسأكتب نزولاً على هذه الرغبة، فإن يكن الخاطر رحمانيًّا، فالحمد لله وإن يكن غير ذلك فأستغفر الله" (مذكرات الدعوة والداعية صـ13).



إن الربانية تدفع صاحبها إلى استحضار واصطحاب النية الصالحة فيما يأتي وما يذر حتى في خواطره؛ فإنه يستحضر فيها النية فيحمد الله على التوفيق والهداية، ويبرأ من حظ النفس والشيطان والهوى وهذا دأب الأنبياء والصالحين ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾ (يوسف)، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾ (هود)، كان رحمه الله منذ خطواته الأولى يجد راحته في عمل الخير والسعي إليه وإرشاد الآخرين إليه؛ رجاء أن ينال مثل أجور مَن يهتدون بفعله يقول رحمه الله: "وكنت أجد سعادةً كبرى وارتياحًا غريبًا حين أوقظ المؤذنين لأذان الصبح، ثم أقف بعد ذلك في هذه اللحظة السحرية الشاعرة على نهر النيل، وأصغى إلى الأذان ينطلق من حناجرهم في وقت واحد.. ويخطر ببالي أنني سأكون سببًا ليقظة هذا العدد من المصلين، وأن لي مثل ثوابهم مصادقة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هدى فله أجره، وأجر مَن عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا"، وكان يضاعف هذه السعادة أن أذهب بعد ذلك إلى المسجد فأرى نفسي أصغر الجالسين فيه، في هذا الوقت سنًّا، فأحمد الله وأسأله أن يديم التوفيق" (مذكرات صـ38 بتصرف)، فالربَّاني لا يقصد بعلمه ولا بعمله غير وجه الله تعالى: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى"، والذين ينتفع الناس بعلمهم على الحقيقة هم أهل الإخلاص والعمل.



(2) ومن سمات الربانيين أنهم ينسبون الفضل لأهله، ولا يبخسون الناس قدرهم، فإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذووه والإسلام يعلمنا "أنزلوا الناس منازلهم" (رواه أبو داود)، وقد بدا هذا جليًّا عند حديث الإمام الشهيد عن الصوفية والتصوف والمتصوفة بلا غمط لأقدار الرجال وبلا بخسٍ لحقهم ومكانتهم أو مزايدة على فضلهم، فوضح كيف كان لهم عظيم الأثر في سلوكه الروحي والأخلاقي، وقد صور- رحمه الله- هذا بدأ من اتصاله بالطريقة الحصافية ثم إبداء الرأي في قضية التصوف، موضحًا الأسلوب الأمثل في التعامل مع هؤلاء بحسن ظن وفطنة توجيه، مبينًا أثر مخالطته لهم، فقد كان لهم أعظم الأثر في نفسه وروحه يقول الإمام الشهيد "ولستُ أنسى في دمنهور ليالي مسجد الجيشي التي تطورت من حضور درس الشيخ قبل فجر رمضان إلى اعتكاف ليالٍ بطولها نصلي العشاء، ثم الطعام، ثم ذكر الله، ثم النوم قليلاً، ثم الاستيقاظ نحو منتصف الليل للتهجد إلى الفجر" (مذكرات صـ20-31 بتصرف).



نعم، إنه الزاد الذي يستقي منه الربانيون قوتهم ورونقهم وبهاءهم صلاحًا في النفس يتبعه عمل صالح يربطهم بربهم، وأقوى الصلة بالله ذكر الله، وقيام الليل المدرسة النورانية التي تخرَّج فيها الربانيون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن العمل هو ثمرة العلم، فعلم بغير عمل وبالٌ على صاحبه وحجةٌ عليه، ولهذا يُسأل العبد يوم القيامة سؤالاً خاصًّا عن علمه ماذا صنع فيه.



ولن ينال العبد محبة الرب سبحانه فيسلك سبيل الربَّانيين إلا بعمل صالح يدخره عند ربه: "وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه".



وحول هذا المعنى الذي عايشه الإمام الشهيد، وكان له في نفسه أعمق الأثر جاءت توجيهاته- رضوان الله عليه- تابعة لما كان يقوم به وهو يوجه أتباعه في رسالة المناجاة، يحثهم على التزود من هذا النبع الذي استقى منه فيقول: "يا أخي لعل أطيب أوقات المناجاة أن تخلو بربك والناس نيام والخليون هُجَّع، وقد سكن الكون كله، ورخا الليل سدوله وغامت نجومه، فتستحضر قلبك وتتذكر ربك وتتمثل ضعفك وعظمة مولاك فتأنس بحضرته ويطمئن قلبك بذكره، وتفرح بفضله ورحمته، وتبكي من خشيته، وتشعر بمراقبته، وتلح في الدعاء، وتجتهد في الاستغفار، وتفضي بحوائجك لمَن لا يعجزه شيء ولا يشغله شيء عن شيء، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، وتسأله لدنياك وآخرتك وجهادك ودعوتك وآمالك وأمانيك ووطنك وعشيرتك ونفسك وإخوتك: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)﴾ (آل عمران) (رسالة المناجاة).



وحتى لا يتخيل أحدٌ أن الأمر وقف عند حد سرد ذكريات أو إلقاء موعظة جافة؛ فإننا نستعرض صورًا حية من حياته وسلوكه، نعلم من خلالها أن هذا كان ديدنه وسلوكه في حياته كلها، يقول الأستاذ عمر التلمساني- رحمه الله- في كتابه (ذكريات لا مذكرات): "لقد كان يزرع الأمل في قلوبنا، لا يعلمنا ذلك في مكتبه أو محاضراته أو نظريًّا أو فلسفيًّا، ولكن يعلمنا الثبات والتثبت والصمود عمليًّا، في تنقلاتنا معه، وإليك مثلاً من أمثلة الخلق الرقيق والتربية العملية الواقعية، ذهبت معه يومًا إلى المنزلة، وبعد الحفل صعدنا إلى الطابق الثاني في منزلٍ لنأخذ قسطًا من الراحة، وكان التعب والإجهاد قد بلغ مداه، فاعتراني قلقٌ وبعد خمس دقائق تقريبًا سألني فضيلته: هل نمت يا عمر؟ قلت: ليس بعد، ثم كرر السؤال فترةً بعد فترة، حتى ضقتُ بالأمر، وقلتُ في نفسي: ألا يكفيني ما أنا فيه من إجهاد وقلق حتى تضاعف عليَّ المتاعب؟ ألا تدعني أنام؟ كان هذا حديثًا صامتًا يدور بيني وبين نفسي، فصممتُ على ألا أرد على أسئلته موهمًا إياه أنني نمت، فلما اطمأنَّ إلى نومي نزل من سريره في هدوءٍ كامل، وعند الباب أخذ "القبقاب" بيده وسار حافيًا حتى وصل إلى دورة المياه؛ حيث توضأ، وأخذ سجادة صغيرة، وذهب إلى آخر الصالة بعيدًا عن الغرفة التي ننام فيها.. وأخذ يصلي ما شاء الله له أن يصلي، ونمت أنا ما شاء الله لي أن أنام، وصحوت وتبينت الدرس العملي الصامت، الذي مررت به في ليلتي تلك؛ مرشدًا آتاه الله جلدًا في طاعته.. فهو يخطب ويتحدث فإذا انصرف الناس ليستريحوا خلا إلى ربه مصليًا ومتهجدًا، وهو قادرٌ على ذلك بما وهبه الله من احتمال على مواصلة الطاعات ليل نهار، ومريدًا لم يشتد بعد عوده، ولم يصبح بعد قادرًا على مثل حال شيخه والشيخ يعرف هذا عنه فيشفق عليه ولا يرضى أن يحرجه ولا أن يشق عليه" (عمر التلمساني ذكريات لا مذكرات صـ 47، 48)، هذه هي الربانية الواقعية الربانية السلوكية التي أفرزت جيلاً فريدًا، شهدت له ساحات فلسطين والقنال بأنه جيل رباه رجل رباني.



لم يكن هذا السلوك بدعًا في حياة الإمام الشهيد؛ ولكنه ديدنه وسلوكه، يذكر الأستاذ محمد عبد الله السمان في كتابه (حسن البنا الرجل والفكرة): "بعد انتهاء الحفلة تنازع الأعيان كل يريد أن يستضيف الرجل في داره، ولكنه اعتذر للجميع، ووقف بنفسه يوزع الضيوف على منازل الإخوان.. أما هو فقد اختار الزاوية، ليقرأ ورده من كتاب الله عز وجل.. وأصرَّ على ذلك، ورفض أي فراشٍ يُؤتى به إلى المصلى، وكان صيفًا.. نام على الحصير وتوسَّد عباءته.. !" (حسن البنا الرجل والفكرة صـ52).



(3) من آثار ربانية السلوك أنها تظهر في وقت الشدة، فعند الشدائد تُعرف معادن الرجال والناس في الرخاء قد يُظهرون خلاف ما وقر في قلوبهم، أما الرباني فإن سلوكه في السراء والضراء سواء، يقابلهما بالرضا والشكر والصبر وطلب التثبيت موقنًا في نفسه ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (النساء من الآية 78) فيذكر الإمام الشهيد وقعة محاولة أحد الزملاء إعاقته عن أداء الامتحان، بعد أن دهمته الغيرة، وأصابه الحسد، فقام باستخدام مادة كاوية وصبَّها على وجهه وعنقه وهو نائم يقول: "ولم أتبينه في الظلام، لكن أحد الزملاء شهد بأنه رأى في يده زجاجة اليود فعلاً، وبسؤاله ومحاصرته اعترف بالواقعة، وصمَّم الزملاء على طرده من المسكن، فهو ليس أمينًا على أرواح الناس، فتم طرده بالفعل"، وتشدد بعض الزملاء بضرورة تبليغ النيابة أو إدارة المدرسة لاتخاذ الإجراءات المناسبة لهذا الجرم، يقول الإمام الشهيد: "وتشدد بعضهم في تبليغ النيابة أو إدارة المدرسة، ولقد هممتُ بذلك فعلاًّ، لولا أنه خطر لي أنني قد نجوتُ، وهذه نعمة من الله وفضل يجب أن يقابل بالشكر، وليس الشكر إلا العفو والصفح: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: من الآية 40) فتركت الأمر لله تبارك وتعالى ولم أُحرِك ساكنًا". (مذكرات الدعوة صـ51، 52 بتصرف).



وهذا دأب الربانيين العفو عند المقدرة، وهو بذلك يقتدي بإمام الربانيين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصدر أعظم قرار عفو عرفته البشرية يوم فتح مكة، وهو يسأل أهلها: "ما تظنون أني فاعل بكم"؟! قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: "لا أقول لكم إلا كما قال أخي يوسف من قبل ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)﴾- (يوسف)- اذهبوا فأنتم الطلقاء".. هذا سمت الربانيين كما سجَّل الحق جل وعلا صفاتهم ﴿وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ (134)﴾ (آل عمران).



(4) ربانية الحنين لله ولرسوله: الانتماء عند الرباني يجعله يتلمس رضا خالقه واقتفاء أثر نبيه، فهو دائمًا وأبدًا يُوثِّق علاقته بربه، ويربط حياته وسلوكه وتصرفاته وحركاته وسكناته بهدي نبيه والله يعجل له في الدنيا عاجل البشرى لهذه المحبة وهذا الاتباع، وها نحن نلمح هذا في حديث الإمام الشهيد رضوان الله عليه فيقول: "ولن أنسى أبدًا عود ثمر الحناء، فقد زرتُ في إحدى زيارات السويس منزل أحد الإخوان فوجدتُ على المنضدة كتاب سفر السعادة للفيروز آبادي، وفتحته فإذا بي أقرأ: وكان صلى الله عليه وسلم يحب ثمر الحناء، فشعرتُ بشوق ٍ شديدٍ إلى عودٍ من ثمر الحناء؛ اقتداءً به صلى الله عليه وسلم، وأنَّى لي به وأنا في بلدٍ غير بلدي ودار غير داري؟



وخرجنا إلى دار الإخوان ووقفتُ أتحدث إليهم وظهري إلى شباك عليه وبجواره صبية ينظرون، وإذا بأحدهم يدعو الشيخ الهادي عطية حتى إذا خرج إليه أعطاه عودًا ضخمًا من ثمر الحناء، وقال له وأنا أسمع: أعطِ هذا للشيخ المنشد، مشيرًا إليَّ، وجاء الشيخ الهادي يُقدِّم إليَّ العود قائلاً: هذه هدية صبيان الأربعين إليك، فقلت وأنا أبتسم: هاتها، فليست هدية الأربعين، ولكنها من ذكريات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظللتُ مسرورًا يومي هذا لهذا التوافق الطيب" (مذكرات الدعوة صـ119،120).



(5) الربانيون ورثة النبيين: أهل الربانية حملة لواء الأنبياء هؤلاء الذين وصفهم الحق جل وعلا فقال في حقهم: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا (39)﴾ (الأحزاب)، وقد كان هذا سمتاً ظهر مبكرًا جدًّا في حياة الإمام الشهيد وسلوكه منذ كان في المدرسة الإعدادية، ولازمه طوال حياته، فعاش ومات وهو يحمل همَّ هذا الإسلام فليست النائحة كالثكلى، وقد سجَّل ذلك بعدة مواقف على طريق الدعوة تدلل دلالةً واضحةً على ربانية هذا الإمام المجدد، ابتداءً من إنشاء جمعية الأخلاق الأدبية والوقوف أمام مظاهر الانحراف الأخلاقي ثم قيامه بإنكار المنكر الذي رآه متمثلاً في السفينة التي شاهدها على شاطئ النيل، وقد علَّق صاحبها في مقدمتها تمثالاً عاريًا فبادر آخذًا بزمام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى ضابط النقطة مستنكرًا في غيرة شديدة على دينه ما رآه، فكان موضع إكبار وإجلال من الضابط، ثم من الناظر الذي علم بالأمر لاحقًا فحيَّاه عليه، وكانت معالجته لمشكلة المسجد الذي قام إمامه بطرد التلاميذ منه فما كان من الأستاذ البنا إلا أن أرسل له خطابًا كتب له فيه هذه الآية ﴿وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ (52)﴾ (الأنعام)، وكذلك جمعية منع المحرمات ثم كان سعيه الدائب الحثيث نحو عمل يعيد للإسلام مجده بدءًا بأمنيته في موضوع الإنشاء الذي تمنى فيه أن يكون مرشدًا معلمًا معدًا لهذه الأمنية الثبات والتضحية، والحق أن الإمام وفَّى بعهده هذا مع ربه فوفَّى الله له ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللهِ﴾ (التوبة: من الآية 111) لا أحد، وكان رضوان الله عليه يسعى حثيثًا لهذه الغاية تارة بمحاولة دفع العلماء للعمل للإسلام، وتارةً بمجالسة طويلة يتذاكر من خلالها مع إخوانه حال الإسلام وما وصل إليه أمر المسلمين وكيف السبيل إلى الخروج من هذا المأزق؛ تذاكرًا كثيرًا ما دفعهم إلى الإجهاش بالبكاء حزنًا على حال الإسلام بين بنيه، ثم كانت جماعة الإخوان المسلمين تتويجًا لجهاده تقف لتشهد على ربانية حباه الله بها (مذكرات الدعوة والداعية صـ16-20،61-68، 85،86 بتصرف كبير).



ثم كان ختام حياته بالاستشهاد بعد أن تآمر عليه أعداء الخارج وعملاء الداخل، وبعد.. فهذا غيض من فيض وقليل من كثير فاضت به مذكرات الإمام الشهيد حسن البنا، وهي نموذج حي تجسد أمام الناس في واقع الحياة نبراسًا يُقتدى به، وسراجا يُقتفى أثره لو أردنا أن نستقصيها لما استطاع جهدنا القاصر أن يحصرها.



وأخيرًا وليس آخرًا لا أجد ما أختم به حديثي عن ربانية السلوك في مذكرات الإمام الشهيد حسن البنا إلا ما سجَّله الكاتب الأمريكي المنصف روبير جاكسون في كتابه (حسن البنا الرجل القرآني)، وكما يقولون والحق ما شهدت به الأعداء: "ولقد كان خليقًا بمَن سلك مسلك أبي حنيفة ومالك وابن حنبل وابن تيمية مواجهة للظلم ومعارضة للباطل.. أن تختتم حياته على هذه الصورة الفريدة المروعة، التي من أي جانب ذهبت تستعرضها، وجدتها عجيبة مدهشة، إنه كان يدهش الناس في كل لحظات حياته فلا بد أن يدهش الأجيال بختام حياته، إن الألوف المؤلفة قد سارت في ركب الذين صنع لهم الشرق بطولات زائفة، أفلا يكون حسن البنا قد رفض هذا التقليد الذي لا يتم علي غير النفاق.



إن هناك فارقًا أزليًّا بين الذين خدعوا التاريخ وبين الذين نصحوا لله ولرسوله.. إن هذا الختام العجيب سيظل مدى الأجيال يوقد في نفوس رجال الفكر النور والضياء، ويبعث في قلوب الذين آمنوا معه ما بعثه الحق في نفوس أهله؛ حتى يمكنوا له. إن مقتله شبيه بمقتل الحسين، إنها العوامل المختلفة التي تجمعت؛ لوضع حد للفكرة الحية التي كانت تندفع إلى الأمام.. كالإعصار.



وحين عجز (القضاء) أنفذ (القدر) حكمه. إن الأمر الذي أسأل عنه فلا أجد له جوابًا: هل هناك علاقة ما بين الإسلام كما كان يفهمه حسن البنا ويدعو إليه وبين نهايته؟ إن كثيرين يدعون إلى الإسلام ويحملون اسمه، فهل هناك خلاف جوهري بين ما كان يدعو إليه حسن البنا وما يدعو إليه هؤلاء؟ لأني لا أعرف الإجابة الصحيحة أدع ذلك للتاريخ". حسن البنا الرجل القرآني روبير جاكسون ترجمة: أنور الجندي صـ73،74، 75.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.


------------

* من علماء الأزهر الشريف



أبورقية
جديد
جديد

عدد المساهمات : 26
نقاط : 8903
السٌّمعَة : 19
تاريخ التسجيل : 01/03/2012
الموقع : مصر

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الربانية في مذكرات الإمام البنا (رحمه الله) بقلم: أبو رقية أحمد سليمان الدبشة

مُساهمة  محمد سيد حمدان في الثلاثاء مارس 13, 2012 1:34 pm


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


التوقيع












امحي كل ذنوبك في دقيقتين فقط
من هذا الرابط
هناااااااااا

محمد سيد حمدان
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 307
نقاط : 12987
السٌّمعَة : 61
تاريخ التسجيل : 05/10/2011
العمر : 21
الموقع : مصر

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://life0.own0.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى